في كل ليلة، وفي ملايين البيوت حول العالم، يتكرر مشهد دافئ: طفل يشد غطاءه الصوفي، وعيناه تلمعان بفضول، يطلب من أمه أو أبيه طلباً واحداً لا يتغير رغم تغير الزمن: “احكِ لي حكاية”. ورغم ثورة التكنولوجيا، وانتشار الألعاب الإلكترونية، وسيطرة عالم “الميتافيرس”، تظل الحكايات الكلاسيكية القديمة هي “التريند” الذي لا يسقط أبداً.
ولعل هذا الشغف المستمر هو ما دفع الأمهات والآباء للبحث عن مصادر موثوقة تقدم هذا الأدب العريق، حيث يمكنكم العثور على مكتبة ضخمة من هذه الحكايات الكلاسيكية والجديدة عبر منصة قصة لكل جيل المتخصصة في أدب الطفل، والتي توفر محتوى آمناً ومدروساً ليناسب مختلف الأعمار.
لكن السؤال يبقى: لماذا نعود دائماً إلى القصص التي تربينا عليها؟ ولماذا تأسؤنا حكايات القلاع والوحوش والأميرات؟ هل هو مجرد حنين للماضي؟ أم أن هذه القصص تحمل شفرات سرية تخاطب النفس البشرية وتلبي احتياجات الطفل النفسية بطريقة لا تستطيع التكنولوجيا تقليدها؟
الفصل الأول: الحكايات الشعبية.. “جهاز محاكاة” للحياة
يعتقد الكثيرون أن القصص الخيالية (Fairy Tales) هي مجرد وسيلة لإلهاء الطفل حتى ينام. لكن علماء النفس يؤكدون أن هذه القصص هي بمثابة “تدريب آمن” للطفل على مواجهة الحياة الواقعية.
الطفل كائن صغير في عالم كبير ومخيف، يواجه مشاعر لا يفهمها: الغيرة، الخوف من الظلام، القلق من الانفصال. تأتي الحكايات الشعبية لتعطيه الأمل بلغة رمزية يفهمها عقله الباطن. هي تخبره: “نعم، هناك تنين (مشكلة)، وهناك غابة مظلمة (خوف)، لكنك تستطيع التغلب عليها إذا كنت شجاعاً وذكياً”. القصص الكلاسيكية لا تنكر وجود الشر، لكنها تؤكد حتمية انتصار الخير، وهذا هو “الغذاء النفسي” الذي يحتاجه الطفل لينمو سوياً ومتزناً.
الفصل الثاني: “ربانزل”.. درس في الأمل والصبر
لعل واحدة من أكثر القصص التي طلبتها الفتيات الصغيرات عبر الأجيال هي قصة الفتاة ذات الشعر الذهبي الطويل المحبوسة في البرج العالي. لكن، ما الذي يجعل هذه القصة تحديداً أيقونة لا تموت؟
الرمزية في قصة “ربانزل” عميقة جداً. البرج يمثل “العزلة” أو التحديات التي قد تواجهنا، والشعر الطويل يمثل “الموهبة” أو “الوسيلة” التي يمتلكها كل منا للنجاة. من منا لا يتذكر الفتاة ذات الشعر الذهبي الطويل؟ تظل قصة ربانزل مكتوبة باللغة العربية واحدة من أكثر القصص طلباً، حيث تعلم الأطفال الصبر والأمل، وأن الحل دائماً ما يكون بيدك أنت.
القصة تعلمنا أننا لا يجب أن ننتظر معجزة تهبط من السماء، بل يجب أن نستخدم مهاراتنا لنصنع طريقاً للنجاة. قراءة هذه التفاصيل المكتوبة -بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها في فيلم سريع- تسمح للطفل بتقمص الشخصية، وفهم أن الصبر لا يعني الاستسلام، وأن الظلام في البرج لن يدوم للأبد طالما هناك نافذة مفتوحة للأمل.
الفصل الثالث: “ملكة الثلج”.. دفء المشاعر في مملكة الجليد
ننتقل من البرج العالي إلى القلعة الجليدية. قصة “ملكة الثلج” (التي استوحي منها فيلم Frozen الشهير) تعتبر من روائع الأدب العالمي للكاتب “هانز كريستيان أندرسن”. السر في نجاح هذه القصة يكمن في “التناقض”. الثلج بارد، لكن القصة دافئة جداً.
إنها لا تتحدث عن فارس ينقذ أميرة، بل تتحدث عن “قوة الحب الأخوي” وعن التضحية من أجل من نحب. وكذلك مغامرات الجليد التي تأسر القلوب، حيث يبحث الكثيرون عن قصة ملكة الثلج كاملة بالعربية ليعيشوا مع أطفالهم أجواء الشتاء السحرية والمشاعر الدافئة التي تذيب جليد القلوب.
في هذه القصة، يتعلم الطفل أن المشاعر الباردة والقاسية يمكن علاجها بالحب والاحتواء، وأن القوة الحقيقية ليست في السحر، بل في القلب الطيب المخلص.
الفصل الرابع: لماذا “القراءة” أفضل من “المشاهدة”؟
قد تتساءل الأم: “لماذا أقرأ لطفلي قصة مكتوبة بينما يمكنه مشاهدة الفيلم على يوتيوب؟”. الإجابة تكمن في “الخيال”.
- بناء العضلات الذهنية: عندما يشاهد الطفل فيلماً، فإن المخرج قد قام بكل العمل نيابة عنه (رسم الشخصيات، وضع الألوان، تحديد الأصوات). عقل الطفل هنا في حالة “استقبال سلبي”. أما عند القراءة، فإن عقل الطفل يضطر لبناء كل شيء من الصفر: يتخيل شكل القلعة، ورائحة الغابة، وملابس البطل. هذا التمرين هو ما يصنع طفلاً مبدعاً وذكياً.
- الثروة اللغوية: الأفلام الكرتونية غالباً ما تعتمد على الحوارات السريعة والعامية أحياناً. بينما القصص المكتوبة تقدم لغة عربية سليمة، مفردات جديدة، وتراكيب لغوية تثري قاموس الطفل وتجعله متحدثاً لبقاً في المستقبل.
- الرابط العاطفي: الفيلم تجربة فردية، لكن القراءة تجربة مشتركة. صوتك، أنفاسك، واحتضانك لطفلك أثناء القراءة يفرز هرمونات السعادة والاطمئنان، مما يجعل القصة ذكرى لا تنسى.
الفصل الخامس: خطر المصادر العشوائية
في عصر الإنترنت المفتوح، ليس كل ما يلمع ذهباً. البحث العشوائي عن قصص للأطفال قد يعرضهم لمحتوى غير مناسب، أو قصص تمت ترجمتها بشكل ركيك يفقدها معناها وقيمتها، أو حتى قصص تحمل قيماً دخيلة لا تتناسب مع مجتمعاتنا العربية المحافظة.
لذا، فإن المسؤولية الأولى للآباء هي “فلترة” المحتوى. يجب البحث عن المصادر التي تقدم القصة بلسان عربي مبين، وبأسلوب تربوي يحترم عقل الطفل ولا يستخف به.
الخاتمة: مكتبة في جيبك
الحكاية ليست ماضياً وانتهى، بل هي جسر نعبر به مع أطفالنا نحو المستقبل. إنها الأداة التي نزرع بها القيم، ونحمي بها الهوية، وننمي بها اللغة.
لا تحرموا أطفالكم من متعة “كان يا ما كان”، فهي الكلمات السحرية التي تفتح أبواب الخيال، وتصنع ذكريات تدوم مدى الحياة. ابحثوا عن القصة الجيدة، واجعلوها رفيقاً دائماً لأطفالكم قبل النوم، لتمنحوهم أحلاماً سعيدة ومستقبلاً مشرقاً.




اضف تعليق